رسالتي إلى السيد وزير التربية الوطنية
كتبهاسعد لعمش ، في 9 ديسمبر 2007 الساعة: 08:50 ص
على هذا الصعيد تنتهج وزارتنا التي كان لها من الأجدر والأولى، أن تكون وزارة، لتربية العقول على التفكير السليم وإكساب المهارات اللازمة لأبنائنا و حسن التدبير، كتسليح لهم ليزدادوا قوة في غابة العولمة، و هذا لا يتحقق إلا بالتحكم في نوعية الموارد البشرية. العكس من ذلك، لقد راحت تطبق المنطق الشوفيني الذي يفتح الباب للوصوليين و منه انتهاج سبيل الإقصاء بسد الأبواب أمام المقتدرين حتى لا نربح ذلك المعترك، و لمن ؟ للكفاءات القادرة على رفع التحديات خاصة اذا علمنا أننا جاثون في أدغال العولمة، التي تتطلب منا جميعا حشد كل الطاقات والقدرات تحقيقا للرهانات، و السبب في ذلك كان وحيدا و مقصودا ، ما هو ؟
إنتماء هذه الكفاءات الحزبي، وأي حزب؟ حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأي عناصر اختارت؟ المظلومين، المسالمين، الذين يحبون الجزائر، دخلوا بنية التغيير السلمي ديمقراطيا، فأصبحوا هم المستهدفون، إنهم الذين سلبت منهم حقوقهم المدنية، حتى و نحن في ظل المصالحة، إما كليا أو جزئيا. فهم الذين لا حول لهم ولا قوة ، البعيدين كل البعد عن ما جرى و يجري من أحداث دامية والتي كشفتها الأيام أنها كانت مفبركة! و إن تمت بقصد، الذي قام بها هم الراديكاليون، الانتهازيون، المتطرفون، الرافضون للحوار، من دعاة تجارة الدم و هواة التدمير.
قلت هذا الإقصاء الذي تنتهجه الوزارة (وزارتكم)و تحرص على تكريسه بل تمجيده يا معالي الوزير، فما يمثله هو وصمة عار في جزائر حررها الجميع و تبنيها الجميع، سوف تكون لا محالة، نتائجها وخيمة و عاقبتها خطيرة على مستقبل البلاد والعباد. فلم تحاربون من يحب الجزائر و يخاف على مستقبلها و تجذّرون لمن يعمل على التخلف و الانحلال و تكرسون مبدأ الرداءة والتنطع لأناس لا يملكون من التربية إلا الاسم و من العلم إلا الرسم، بقدر قد لا يزيد عن قطمير والذين لم ينهلوا من منابع المعرفة إلا اليسير ، فهم حفاة عراة من كساء العلم يمردون على بطونهم كما يمرد التمساح على الغضارة، إذ أنهم يستحوذون على المنصب دون شهادة علمية بيّنة و لا مستوى معرفي معترف به و لا خبرة مستيقن منها،بل خبرة عرفية غير مؤسسة على تقاليد علمية، لقد نسلوا كيأجوج و مأجوج في ظل ظروف استثنائية اعتمد فيها الخطأ و رُسّخ، بعد جزأرة متسرعة، ارتجالية من طرف الوزارة تحت شعار لا ينطبق على الواقع و لا يقبله المنطق.
قلت هذه الفئة اصطُنعت بقرار إداري 19/85 (القرار النّحس على التربية)الذي سمح للمعلم غير المؤهل أن يرتقي من مرحلة تعليم أدنى إلى مرحلة تعليم أعلى (ابتدائي إلى متوسط ومنه إلى الثانوي وعلاقته المتعدية ذات الاتجاه الواحد من الابتدائي إلى الثانوي أحيانا !!! ) فالإطارات التي تسيّر، لو تفحصنا الملفات لوجدناها لا تملك أول شهادة علمية جامعية و هي عالمية (البكالوريا) ليعبروا إلى التدرج ليتمكنوا فعلا من التسيير الحديث (MANAGMENT) لكنهم تدرجوا عبطا بقرارات إدارية بحتة في سلم الترقيات من ممرنين حيث قرار التعين، إلى أساتذة ومديرين ومفتشين عن طريق الارتقاء الإداري على المقاس، الذي تتحكم فيه السطوة النقابية والحزبية ، مستبعدة في ذلك المؤهل العلمي اللازم و الضروري.
فمن الخطأ أن نصحح المأثور القائل "فاقد الشيء لا يعطيه" فبهذا القرار الوزاري أصبح فاقد الشيء يعطي، فماذا يعطي؟ لقد أعطى و أنجب الرداءة والتخلف للمنظومة التربوية خلال الثمانينات التي مازلنا نجني آثارها لحد الساعة، و أصبح القطاع "حجر الزاوية " كالمزرعة التي توزع الأرباح دون فوائد تذكر!!!
فكان بذلك لعب بمصير الأجيال ، حيث لا زلنا للتوّ، نلحظ و بكل تحسر و حزن عميق "حيث العين بصيرة و اليد قصيرة" الصورة نفسها تحدث ، لكن هذه المرة بأسلوب جديد مستحدث اعتمدته وزارتكم الوصية في الترقية المهنية ، حيث اتبعت أسلوب مخادعة و مراوغة المسمى "المسابقة اللبقة" أين تجري بطريقة صورية باعتبار أن القائمة محددة مسبقا للعناصر المختارة بعد تطهير و زبر لكل عنصر متهّم أو لا يملك الذراع الطويلة أو ليس له محرك دفع بيروقراطي يضعه على المدار.
كل هذه التجاوزات المقننة أدت بالتعليم إلى مستوى الحضيض و محرار ذلك، ملاحظات اليونسكو(UNESCO) التي سحبت ثقتها من نوعية التعليم في الجزائر وأصبحت لا تعترف بما يمنح من شهادات علمية الفاقدة لعلامة (ISO) إن شئتم، بلغة النوعية الاقتصادية، فلا مجال للمقارنة مع النظم التربوية الأخرى، إن على المستوى الأوروبي أو حتى العربي ( المغاربي أو الشرق أوسطي ).
يحزّ في نفسي أن أجد من يحمل شهادة الدكتوراه طب و لا تقبل به المنظومة الصحية الفرنسية إلا في رتبة "تقني صحي" كتعديل لشهادته التي تحصل عليها في الجزائر !! أو مهندس دولة في الأعلام الآلي التي تعدل في كندا بمستوى السنة الثانية في التخصص نفسه (و هي شهادات بل اعترافات التمستها من أقرباء وأصدقاء ذاقوا مرارة وحسرة هذا التعديل بالخارج).
هذا ما جنت به عليكم أيها الجزائريون المنظومة التربوية التي حرفت وجهتها وتدنى مستواها ومزقت كرامتها من طرف مسئولين سابقين و حاليين رغم الإصلاحات والمصالحة حاليا، الذين لا يعرفون إلا الأنانية وحب السيطرة وينظرون بمنظار المصلحة الضيقة، عُمي على الأفق المستقبلي الشامل ( LE TOUT AZIMUT ) الذي حكم عليهم ووبّخهم بل وضعهم في زاوية التخلف الحضاري.
إن هذا الوضع الشائك يصفه مالك بن نبي رحمه الله بميزان دقيق كفتاه: الحق والواجب (الحقوق المشروعة والواجبات المؤداة و المطلوبة) بحيث إذا كان الواجب أكبر من الحق (فالقيمة إيجابية +1 مما ينبئ بالتقدم الحضاري ) (قلت فئة الكادحين) وإذا تساوت الحقوق بالواجبات( فالقيمة معدومة أي تساوي 0 ) (قلت فئة الحاشية و الوجهاء) فالتقهقر الحضاري حينئذ سيلوح بعلاماته. أما في الحالة الثالثة، إذا كان الحق أكبر من الواجب (القيمة هنا سلبية -1) (قلت فئة الملوك و النبلاء ) و التي تعلن صراحة التقهقر الفعلي و المتضاعف المؤدي إلى الحضيض الحضاري بل المديونية الحضارية ) وهي الحالة التي يحرص عليها كثير من المسئولين على الرعية في مغالاتهم لكسب الحقوق وعدم الإتيان بالواجب إلا نسبيا. همّهم فروجهم وقبلتهم بطونهم لا غير، هم الذين يحوزون على أضعاف مضاعفة من الحقوق المشروعة وغير المشروعة ناهيك عن التجاوزات الاستبدادية على الرعية، حينئذ نكون قد وصلنا إلى عتبة لا مناص منها حدُّها سيكون تحصيل حاصل، الذي يستلزم منطقيا الرّزوح في قعر الحضارة ولا يمكن أن نبصر حتى الثّريا الحضارية بعدئذ، إلا بالرجوع للمنبع وتغليب منطق الواجبات على الحقوق، وهذا مصداقا لقوله تعالى:"إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق" فالأعمال الصالحة رُتبت قبل الحق بالعُدة (الايمان) و العدد (الكثرة : الصالحات ) فذلك مآله الفلاح والنجاح و ما سواه (المثال العكسي) سيؤدي إلى الخسران و العياذ بالله، وإن كان معنى الحق هنا متشعب من الناحيتين الوظيفية والتوظيفية وواحد من الناحية الإيمانية وهذا من البديهيات.
السيد الوزير :
لقد سعى ويسعى هؤلاء المغالين في حرمان الموظفين من حقوقهم المشروعة الأساسية حتى، و ليست الامتيازية، خاصة في قطاع التربية حيث ننتمي و الذي وضع تحت وصاية عدسات المجهر و معه قطاع الشؤون الدينية، القطاعان الحساسان، ولعل الضغوطات التي يعيشها القطاعان، راجع لتفاعلهما و تفعيلهما العقل الإنساني و التأثير فيها دون القطاعات الأخرى المتعاملة مع الجماد أو الآلة.
استسمحكم سيادة الوزير، لقد أطنبت في التحليل ولم أقدم بعد الحجة والدليل، لقد راسلت سيادتكم في 12/11/2006 بمراسلة تحت رقم 276/06/07 وقبله السيد مدير التربية لولاية سطيف بتاريخ 28/10/2006 بمراسلة تحت رقم 263/06/07 حيث كان موضوع الرسالتين يتعلق بإعادة تصحيح أوراق تحرير الإجابة المتضمنة طعن في النتائج الخاصة بمسابقة 2006 لاختيار مديري الاكماليات والتي أجزم جزما قاطعا أنها لم تصحح مطلقا باعتبار أن قائمة المقبولين معدة سلفا مثل ما تقدم، وما الامتحانات الكتابية والشفهية إلا صورية، ذرّا للرماد في العيون، لأن من ضمن الأسئلة الشفهية التي طرحت على المرشحين بالعاصمة تكتسي صبغة الاستهزاء والازدراء وكماشة للآراء، فكان أحدها: بكم اشتريت هذه البذلة؟ و الثانية: ما رأيك في إسقاط المقطع الرابع من نشيد قاسما؟ رغم أنه اسقط من كتاب المعلم منذ 1989، و الثالثة: أين تقطن؟ هيا أَدخِل الآخر…… الموالي ! .
فلم لم تجني يا سيادة مدير التربية أولاّ ثم يا سيادة الوزير ثانيا ؟
ألست موظفا تحت وصايتكم؟ وحقوقي مرتبطة بإنصافكم؟ وموقعكم يلزمكم خدمتي لأنني أنا السيد وأنتما الخدم، حسب متطلبات و منطلقات وأخلاقيات المسؤولية ؟ أليس كذلك؟لماذا تصمّان الأذان ؟ وتُعصبان العينين ؟ سوف أُسأل وتُسألان، غدا عند الرحمان، وسأقتص منكما الاثنان؟ فتربصا إنّي معكما متربصا.
إذا سارت الأمور بهذه الكيفية وبقيت على منوال القضية، فلنترحم على مدرستنا ولنحفر قبرا لأجيالنا، ولنعمل بل نعتمد المقولة التراثية الهادفة "على أهلها جنت براقش" باعتبار أن حصون قلعة الأمة قد دُكّت و أصوارها هُدّمت وأهلها تمّ سبيهم ثم استعبادهم، فلا مناص يومئذ من الهزيمة الأكيدة ولا تلومنّ حينئذ يا مسئول إلا نفسك.
وختاما لا خاتمة، ندعو بما دعا به المضطر حسب ما جاء في كتاب الله في باب المظلومين "و أفوض أمري إلى الله" فلا ريب أن الله سيقتص من الظالم يوم يقوم الحساب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






























