المستضعف بين رحى النقابة و مطرقة السلطة

كتبهاسعد لعمش ، في 12 يناير 2008 الساعة: 19:50 م

السلطة مصدر مشتق من سلطان القائم على الأركان الحاملة للعرش المنصّب على الرؤوس، المتمثلة في الرعية، أو جاءت على أساس مرتكزاتها من السلط في وظائفها المختلفة لتسيير شؤون الدولة و على رأسها السلطة التنفيذية، الجهاز المكلف بالتسلط على رقاب الرعية و المحكومين و إخضاعهم للأوامر ليتم تنفيذها دون نقاش.

أما النقابة ، فمن التنقيب بحثا عن أخطاء الراعي أو ربّ العمل اتجاه من هو تحت سلطته أو هي من صفة تعيين النقيب الذي يقوم مقام الوكيل عن بقية زملائه في العمل للسهر على دفع الظلم عنهم و استرداد حقوقهم و المطالبة بها بإلحاح و مثابرة أمام الإدارة صاحبة العمل أو رب العمل.

تلكم تعاريف منطقية و تفسيرات وجيزة للمصطلحين موضوع الحديث. فسلطة العمل تسعى دوما لتطبيق القوانين في أعلى محكاتها وصولا إلى حدّ التطرف، سواء المشرعة منها أو التعليمات الصادرة عنها و ذلك بقراءتها من زاوية ما يخدم مصلحتها و يحقق مآربها و تفسّر محتواها و تستغل ثغراتها دوما بما يوافق نظرتها و يصب في رصيدها، دون الأخذ بعين الاعتبار العامل و ظروف عمله. فيكون تسييرها آليا، بطريقة حازمة ، جافة ، تخلو منها أبسط المشاعر الانسانية فتتحول إلى استغلالية مقيتة.

عند هذا الخط الأحمر ، يأتي دور النقابة في التدخل لتذكّر الإدارة بأبجديات التعامل تطبيقا للنصوص و توضيحا للخطإ و شجبا للنظرة  المقتضبة، و منه التصدي لها إن لزم الأمر عن كل ممارسة غير لائقة. بهذه الكيفية تلعب النقابة دور الحارس الأمين لحقوق العامل و الأجير ، بهذا سنخلص للإستلزم المنطقي الذي مفاده، أن لا تكون بأي حال من الأحوال هذه الممثلية تحت إبط السلطة المسيرة النابذة أصلا للشراكة في تسيير العمل، و في  الحالة العكسية، تتحول النقابة إلى تمثيل فاقد للشرعية حيث سببية وجوده، لكن عندنا …..

في هذه الأونة ، عندنا في الجزائر نسمع صوت الرحى الصاخب الذي يكاد أن يصم الآذان، فكانت جعجعتة دون طحين؟؟؟ اللهم إلا الغبار المتصاعد من مستودعه؟؟؟؟

هذا المد و الجزر و لعبة شدّ الحبل بين التنظيمات الشبه نقابية و السلطة القائمة * الإدارة المركزية * في الجزائر، تكتسي الصبغة الهرائية التي أوصلتها الدرجة الحضيضية مقارنة بشقيقاتها في دول العالم. اصبحت هذه الكيانات الواهية تشرئب أعناق أصحابها لاعتلاء السلطة و اصطياد الفرص في الاستحواذ على الامتيازات على حساب عرق و معاناة العامل المسكين؟؟؟ فبغض النظر عن UGTA * الاتحاد *  الذي أسس في ظروف تاريخية كان البلد يعيش حينها تحت وطئة الاستدمار ، سنة 1956 تحت قيادة عيسات ايدير، فكان مشروعها حينذاك مؤسس على مقاومة همجية فرنسا الاستغلالية كأولى أولوياتها، فلعبت هذه النقابة دور سياسي لفضح المعتدي.

 بعد الاستقلال و إلى وقتنا الحاضر تحولت إلى زورق ساقه المجذفون إلى أعالي البحار فكان مصيره الغرق حيث قاع المحيط؟ نتيجة للاستخدام السيء للعلاقة الاجتماعية التي استحكم فيها الغرام السياسي و المصلحية و النفعية على أساس الجهوية المنتنة التي قدمت الرداءات و أقصت الكفاءات، فأنعشت بأموال السلطة دون اعتمادها على اشتراكات الأعضاء لسبب أنها لا تمتلك القاعدة العمالية الصلبة التي ترتكز عليها في إثبات وجودها. في هذا الخضم اعتمدت سياسة الغرور و الهروب إلى الأمام و مما زادها غرورا أكثر هي الصورة التي قدمت بها من طرف بعض الساسة على شاكلة HULK العجيب الذي زاده نفخا الإعلام الموجّه، فكان هؤلاء في كل حين يمسحون على رأسها كأنها الإبن المدلل اعتبارا للإرث التاريخي الذهبي الذي تكتنزه، هو في واقع الأمر ملكا للشعب الجزائري برمته. و من سماتها في النضال النقابي * بين قوسين * كانت لا تقف ضد الانحرافات الخطيرة للإدارة و خروقاتها، بل كانت تدخلاتها تشكل وبالا على الموظف * لأنني أمثل أحد ضحاياها في السبعينات * نشوتها كانت في نيل شرف المنصب و اعتلائه و نزوتها كانت التمكين لغريزة ملء الجيوب؟؟؟

في هذا الإطار و على المنوال نفسه ، قامت حركة احتجاجية في قطاع التربية في السنة الدراسية 2001-2002 أطلت علينا على حين غرة و رفعت مجموعة مطالب أهمها إنشاء تنظيم نقابي جديد CNAPEST الذي تميزت فترته الاحتجاجية بالتهويل فكانت حركته غير بريئة، بمعنى كانت تختفي وراءها أيد تعبث بمستقبل القطاع الذي كان واهنا في الأصل جراء الذيفان الذي خلفته النقابة السابقة، وكانت خطتها أيضا تستهدف سياسة بوتفليقة آنذاك لافساد عهدته الأولى و منعه من العهدة الثانية بتواطء من أطراف خارجية في نشر الفوضى و ضياع حقوق الطلبة الأبرياء.

فكانت هذه الأيادي ذات اتجاه يساري، قادها تربويون إنتهازيون قد كشفتهم الأيام بعدئذ و فضحوا،وعلى رأسهم مزيان مريان الذي استدرجته فرنسا فهو في كنفها ينعم بالملذات؟؟؟ .

عندما نستقرىء منهجيتها المتبعة، نسجل عليها جملة من الأخطاء التي وقعت فيها هذه الحركة الاحتجاجية على فرضية براءتها، منها:

- أنها قامت على الفئوية الباعثة لنزعة الفرقة المؤدية للفشل المحتم، فكانت كالكفيف الذي لا يدرك المهيع. و هكذا تم اختراقها و وطّد الشرخ فزاد اتساعا، و منه نخلص لفرضيتين اثنتين:

1-     الافتراض الأول:

الاختراق تمّ على أساس أن هذا التنظيم أصبح يشكل خطرا على السلطة المشرفة على القطاع ، وهي قراءة استبعدها مطلقا.

2-  الافتراض الثاني:

 تمّ الاختراق لاضعاف و لجم القوة الاحتجاجية البريئة للقطاع ، بالتفاهم المسبق مع من يقوده ، تكريسا للهوان و اللاعتبار لرجل التربية حتى يتم تمرير المشاريع المستقبلية دون أية مقاومة أو صعوبة تذكر. و هي القراءة الأكثر ترجيحا و أكثر منطقية.

و لعلّ ما يثبت ذلك، أنهاعملت  بعيدا عن إدارة الثانويات و موظفيها و كأن هذه الإدارة لم تولد من رحم الاستاذية التي تفخر بها، فأججت بذلك نار صراع خفي كان من الممكن امتصاصه و استغلاله في سطوة ضغوطاتها على الوصاية و الإدارة المركزية، هذا من جهة، و من جهة أخرى أقصت المؤسسات التعليمية الأخرى كالمتوسط و الابتدائي ، الذين حمّلتهما نتيجة الفشل الذي أصابها و الدوامة التي عصفت بها ، علما أن القطاعين خارج تنظيمها حتى وصل الأمر ببعض عناصرها إلى توحيه عبارات الشتم و القيام بسلوكات اكتنفتها الإساءة؟؟؟؟ السؤال الذي يطرح نفسه، أين كان هؤلاء؟ عندما أسّس SIT و حصلت حينئذ تلك التضحيات حيث وصل الأمر إلى الفصل عن العمل فضلا عن ذلك العقوبات الإدارية الصارمة كالتنزيل من الرتبة و الخصم من الراتب لعشرات الأيام؟؟ كان ذلك في  إضراب شهر ماي من 1991 . لقد نعت المضربون فيه بقادة الفوضى و المتسيّسين مع الحزب المنحل، رغم حسن النوايا و الإرادة القوية من أجل التغيير الفعلي لواقع العامل و ظروف العمل. في تلك الأونة كان هؤلاء يبررون غياباتهم خفية بشهادات طبية و أعذارا عائلية ؟؟ كخداع للمحتجين الأشاوس.

تلكم العناصر ركبت موجة الاحتجاج في ذلك الوقت مراءاة حيث وجّهت اللوم في نهاية المطاف للمضربين مزاحا حتى لا تنكشف عورتها، لكن خفية تعظ على الأنامل من الغيظ؟؟؟ فبعد أن جنت على أصحاب النوايا الحسنة، بقولها أن احتجاجكم يشكل خطرا على أمن الدولة؟؟  أقول هل غيروا رأيهم الهوينة فقط؟؟ أم أنهم يمتلكون نية الانقلابية على النظام و التقاليد النقابية الراسخة؟؟؟ و يريدون رهن البلد لتعليمات للضفة الشمالية من البحر مقابل أوروات……. 

      إن الجوّ  النقابي المطلبي، المرتبط بالوضع االسياسي الحالي، مهيأ أكثر من أي وقت مضى الى الشرذمة النقابية لغياب وحدة الرؤى و المطالب المشتركة، التي تجعلنا كموظفين و أجراء كريشة في مهب الريح تتلاعب بها السلطة و الباترونا كيفما تشاء. لذا أقترح أن تتحد النقابات في شكل كونفيديرالية نقابية تعنى بضمان العيش الكريم للعامل و ترقيته و ازدهاره على أساس متين قوامه وحدة الرؤى و المطلب المشترك، و في حال عدم حصول هذا التلاحم النقابي فاعلموا علم اليقين أنها قائمة على أساس ايديولوجي ، تكون المطالب العمالية فيه عبارة عن أوراق لعب، لا أكثر. فيصير بذلك هذا الزخم النقابي UGTA- UNPEF- CNAPEST- SNAPAP…. و غيرها، في الظاهر تبدي التعددية النقابية على غرار التعددية الحزبية، لكنها تفقد الفاعلية و الفعالية في تجاوز العقبات و تحصيل الحقوق و المطالب .

         فالحكم الذي تؤول إليه الأمور حتما، أن ما تمّ الحصول عليه سابقا، ما هو إلا مجرد تكرم؟؟ من السلطة للطبقة الكادحة، برمج مسبقا بمعية نقابة السلطة، نسجت خيوطه و هيئت له الظروف ثم تمّ تنفيذه ليس إلا؟ و ليس لاحد الفضل في ذلك.

ختاما، إن الظفر الحقيقي بالمطالب المشروعة و استردادا للحقوق المغتصبة ، لا يتحقق ذلك إلا في إطار عمل نضالي ، يصحبه تغيير للمنهجية الحالية مع اعتماد استراتيجية التكتل * كونفيديرالية نقابية * مبني على أساس قاعدة حقيقية صلبة غير مزيفة تضم كل الأكناف و الأطراف، تتدعم بمساهمات العمال المناضلين مع اتباع أسلوب المطالبة و المغالبة و ترسيخ ميكانيزم المحاسبة، بذلك سنضمن الحدود الدنيا للاستحالة المطلقة في أن تقبع النقابة و قيادتها تحت إبط أو جناح السلطة كاستخفاف بنضالها.  

يوم السبت 04 محرم 1429هـ/ الموافق لـ: 12/01/2008

      سعد لعمش                               
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “المستضعف بين رحى النقابة و مطرقة السلطة”

  1. بارك الله فيك

  2. بارك الله فيك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر