إن حرب تمّوز) جويلية (2006 أو ما يصطلح عليها بحرب 33 يوم بين إسرائيل و لبنان و بالمعنى الأصح بين حزب الله كمقاومة باسلة، عالية الهامة من جانب و الحلف الأمريكي الصهيوني بصحبة المتواطئين و المتخاذلين من العرب حيث حكومة السنيورة من جانب آخر. ولتوضيح الصورة أكثرإصابة للمعنى بدّقة، نقول هو صراع محتدم أصلا بين مشروعين، مشروع أصالة الوجود يذود عن العرض و العقيدة و الهوية و الأرض و مشروع لقيط، دخيل المسمّى الشرق الأوسط الكبير أو الجديد يخدم الغرب بقيادة أمريكا، المصبوغ بالهيمنة و السيطرة الكاملة و التامة المبنية على الأوامر و الإملاءات رضوخا و خنوعا عند قدمي السيد الذي نصّب نفسه امبراطورا على منطقة الشرق الأوسط خاصة و العالم عامة الذي يستهدف باستفزازاته هذه القضاء على مظاهر المقاومة بدكّ معاقلها و اعتبارها مشروعا إرهابيا وجب وأده و حصار من يدعمه و من يقدم له السند و المدد داخليا من الأنصارحيث القاعدة الشعبية و خارجيا حيث المحور المغضوب عليه من واشنطن ألا و هو المحور السوري الإيراني .
باختصار، كل هذه التفاعلات النشطة من هذا المخاض العسيرالذي كان ينتظر منه مولودا يدعى * حالة الاستقرار النهائي للأوضاع بالمنطقة* ولد أصلا ميتا أين كان يراد له أن ينمو و يترعرع في ظل استراتيجية الإحتواء التي ترتكز على الصيرورة الأمنية الإجابية للكيان الصهيوني مستقبلا ليعيش آمنا. في تقديري و من البداهة بمكان أن الأمن لن يتحقق ما دام هناك احتلال للأرض و ما دامت فطرة يهود مؤسسة و المجبولة على إثارة فتنة الحروب، البيئة المثالية للاستمرارية و القوام الأمثل لضمان البقاء.
لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فالفشل كان ذريعا للمتآمرين، فأوّل من أخذ الصفعة على خده هو السنيورة و حلفه الداخلي من أنصار 14 آذار العميل ثمّ تلاه المتواطئون العرب الحاملون للشعار الواهي كذريعة لا أساس لها من الصحة * الخطر الداهم للهلال الشيعي * ثمّ حينئذ تلقاها آخرهم، واشنطن المرتبطة عضويا بإسرائيل، هذه الأخيرة، تلقت بدورها العبء الأكبر من ضغوطات الهزيمة النكراء و التي ولّدت الطفوة المشكلة و الزلزال العنيف الذي هزّ أركان العدو و خضت قلعته ) تقرير فينوغراد ( الذي أسس لدراسة الهزيمة من ناحية تخطيط و تسيير الحرب الظالمة على لبنان الشقيق. أقول هذا التقرير الذي ارتكز على 74 شهادة من الهيئات الصهيونية الفاعلة و أنجز في حوالى 600 صفحة، عكفت عليه لجنة تقنية متخصصة، عملت طيلة ما يقارب السنتين كشفت عنه النقاب يوم 30/01/2008 أمام الصحافة العالمية دون الإفراج التام عن كامل حيثياته و أسراره حفاظا على وجودية الكيان الصهيوني. لقد خلق أزمة عميقة داخل المجتمع الصهيوني المرتبط بقاؤه كما أسلفنا الذكر على الجانب الأمني الذي تحكمه استراتيجية التفوق العسكري و التكنولوجي مما زاد الشرخ اتساعا في أساس الثقة بين الحكام الصهاينة و محكوميهم.
إن هذه الأزمة التي اطلق شرارتها تقرير فينوغراد داخل إسرائيل، فزيادة على سقوط أسطورة الجيش الذي لا يقهر، أدت سابقا إلى حدوث هزات قوية على مستوى قيادة الجيش فكانت من تداعياتها استقالة وزير الدفاع * حالوتس * حيث من المنتظر أن يقدم للمساءلة و التحقيق أمام القضاء ضف إلى ذلك المتاعب التي يتلقاها إيهود أولمرت اتجاه المعارضة أين ينتظر سقوطه في أية لحظة من سدة الحكم.
و قد حمل تقرير فينوغراد عبارات شديدة الوقع عسيرة الهضم و الاستساغة مثل:
- تهاون في الهرمية السياسية و العسكرية.
- إخفاق عسكري نتيجة ثغرات خطيرة.
- تنظيم صغير يقهر أقوى جيش نظامي في المنطقة؟؟؟
إنهم صمّ عمي عن قصة الملك الصالح طالوت الذي قهر مع أتباعه من المؤمنين أعتى طاغوت جالوتGOLLIAT وجنوده الذين كانوا يفوقونهم عدة و عتادا و هذا مصداقا لقوله تعالى :
* كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله *
و قد سعى أولمرت هذه الأيام لمحو آثار هزائمه بقصف غزة و حصارها ظلاما و تجويعا بتسليط العقوبة الجماعية على مليون و نصف المليون فلسطيني، فكل ذلك لم و لن يشفع له أمام اليهود. ثم حاول مرة أخرى استرضاء مجتمعه حتى خارج إسرائيل بالعمليات الغادرة بلبنان عن طريق التفجيرات الإنتحارية بعملية *جسر شفروليه * و آخرها أحداث الفتنة الدامية بالضاحية الجنوبية * بمنطقة مار مخايل * زعما منه النيل من المقاومة في إطلاق شرارة المواجهة بين حزب الله و الجيش اللبناني، هذه المرة أيضا خاب و خسر لأن المقاومة حافظت على رباطة جأشها و الحمد لله، و نسي أولمرت أن ثقافة المقاومة دوما هي الحرص التوازن ترسيخا للبقاء والإستمرارية، بل هي بمثابة البذرة التي ينبغي زرعها ثم رعاية نباتها حتى يينع فيكون حصادها الوافر حينئذ الحياة الطبيعية حفاظا على الأرض و المشروع الحضاري للأمة، و لن يكون ذلك إلا بصد كل مظاهر الفتنة و العمل على تجميع كل ما يقوي اللحمة.
خلاصة القول، يجب أن نكون يقظين، متفطنين و حذرين، كي لا ننخدع بما آل إليه مضمون التقرير موضوع الحديث على أساس أن العدو فشل. فمن الواجب أن نكون في كامل الجهوزية لمواجهة ردّ الفعل في كل وقت و حين، باعتبار أن الحرب خداع هذا من جاتب، و من جانب آخرنأخذ في حساباتنا أن التقريرقد تطرق ضمنيا لحرب إنتقامية وشيكة.
يوم الخميس23من محرم 1429هـ
الموافق لـ 31/01/2008
سعد لعمش
كتبها سعد لعمش في 06:03 مساءً ::


الاسم: سعد لعمش




