إرهاب المقابر
كتبهاسعد لعمش ، في 1 مارس 2008 الساعة: 09:01 ص
أنصفوا الاحتلال !!!
إنّها صرخة خارجة عن نطاق المعهود و عنوان يبدو غريبا بيد أنه يحمل حقيقة على أرض الواقع في مدينتي و لعل الأمر يتعداه إلى مدن أخرى في الجزائر.
من البديهي أن حياة المسلم الحق متّزنة و معتدلة ، تتبنى الوسطية حيث تخلو من التطرف و التعصب إما غلوا أو إهمالا و تنصلا و تركا، كما ترتكز على التمسك بالأصول الحضارية حتى وإن أخلّ بها المغتصب كي لا نتّصف بالوحشية و الإرهاب التي تميز شخصيته فيتسع له المجال ليتهمنا بهما و لو أن نيته مبيتة مع سبق الإصرار و الترصد. من صميم عقيدتي التي تتنبه لها و تستشعر بها كل أحاسيسي من خلالها أردت أن أثير قضية شغلت بالي و التي تناولتها بشيء من التوسع في مؤلفاتي السابقة لكن هذه المرة سأتناولها من منطلقات أخرى.
يتألم الإنسان المتحضر بإنسانيته من الظلم مهما كان نوعه و تعددت أسبابه منها على سبيل المثال، ما تعرض له الشعب الجزائري إبّان حقبة الاستدمار الفرنسي البغيض(تجنبا للخطإ الشائع:الاستعمار لأن المحتل جاء ليدمّر و لم يأت ليعمّر) على غرار ما عانته كثير من الشعوب و الأمم . هذه الحقبة تركت ما تركت من آثار جمّة في حياة المجتمع و لا سيما في شقها النفسي المتعلق بشعبته السلوكية و الانفعالية.
المعيار المنطقي و الشرعي يبيح أن يكره الإنسان أخيه الإنسان في سلوكياته المقيتة دون أن يجيز كرهه على أساس بيولوجيته جسدا و لونا و عرقا !! من هذا المدخل و ولوجا من هذا الباب حيث الزاوية التي أردت الإطلال منها ، أن الاستدمار بسلوكا ته و تصرفاته أرغمنا على مقاومته و قتاله زجرا له على فعلته و تأنيبا له على تصرفاته.
لكن هذا لا يمنع أن نحترم أمواته و قتلاه و لا يجوز بأي حال من الأحوال أن نمثل بهم أو نعتدي عليهم اعتبارا لقوانين الحرب و السلم التي تنصّ عليها شريعتنا الغراء. أفراده نكرههم في حياتهم لارتباطهم برسالة المعتدي لكن عند موتهم أو بعدها أزيلت العلة و بطل السبب المؤدي للكراهية حينئذ وجب احترام قبورهم أين أجسادهم فلا يجوز أن تنهتك حرمتها.
لقد ترعرعت في مدينتي و اغترفت من مبادئ الدين الإسلامي الحنيف و قيمه النبيلة التي تأمرنا أن نحمل كل الاحترام و نكنّ كل التبجيل للإنسان كإنسان مهما كانت ديانته أو عرقه أو جنسيته أو ملته أو مذهبيته ما لم يهاجم إنسانيتي أو مبادئي أو استقرار بلادي فالرد وقتئذ في الحالة العكسية، يكون واجبا وفق ما يمليه الشرع لا غير دون إطلاق العنان للأهواء و التصرفات العمياء الدافعة لنزعة التمادي في الإفساد في الأرض.
مدينتي عين ولمان" COLBERT " في زمن الاحتلال، يحتضن بطن تربتها كباقي مدن الجزائر موتى فرنسيين بمقبرة تقع في جنوب غرب المدينة حيث الغابة الصنوبرية " جبانة لفرانسيس " كنت في صغري بعيد الاستقلال، أدخلها فضولا، كانت مزدانة بباقات السبسب(اللؤلؤ الاصطناعي) الزهرية المتنوعة الألوان و الأشكال. أكبر قبر جماعي فيها كان لعائلة بيرتران "BERTRAND " التي درست على يد أحد أحفادها في منتصف الستينات "J.BERTRAND Mr. " كباقي أبناء الجزائر حينذاك .
لقد أصبحت اليوم بكل أسف مكانا للتبول والتغوّط و لعب القمار على قبورها ناهيك عن الجلوس عليها و التجرؤ حتى على نبشها و فتح توابيتها. كما تحوّل جزء من ساحتها ميدانا للعب كرة القدم بعد تخريب جزء من جدارها المحيط.. هذه الصور لم تسلم منها حتى مقابر المسلمين و تلكم الطامة الكبرى؟؟ إنها خروقات لاإنسانية بل لا أخلاقية فاقت كل التصورات، لقد آلمتني كثيرا و أنا أمرّّ بها منذ عدة أيام في جولة تفقدية للمنطقة الواقعة بها، صحبة أخي الأكبر و ابني الأصغر، تساءلت:
- أين البلدية باعتبارها أول من يرعى هذه الشئون ؟
- أين المدرسة التي تعتبر صلة الوصل للربط الحضاري؟
- أين المسجد الذي برسالته نحترم مقدسات الآخرين؟
- أين المجتمع الذي يمثل مجلس الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر؟
فالمنكر هنا منكران، منكر التعدي على حرمة الميت و منكر تخريب الشاهد عن زمن الاستعباد.
ماذا يقول الفرنسي أو بالأحرى المتديّن المسيحي عن بلد الإسلام الذي يحمل رسالة السلام للأحياء فما بالك بالأموات الذين انقطع عملهم و حل بهم حسابهم، فلا مجال للإنتقامية أو الزجرية على أساس أنها لا تغير شيئا فيصير الأمر جنون يصب في خانة اللامنطق و اللامعقول .
بعد التمعن في الظاهرة لم أجد إلا تفسيرا واحدا هو الجهالة و الحماقة و التخلف؟؟؟ الشارع يقول أن حرمة الميت أمر مقدس و التاريخ يقول أن الآثار التي خلفها الاستدمار من ورائه وجب الحفاظ عليها و صيانتها و عدم إتلافها أو المساس بها لأنها تمثل شواهد حقيقية لا غبار عليها تعكس أحداث عن حقبة الاحتلال المقيت. إنه رصيد أثري الذي أعتبره ملكا للأجيال ليس لأي كان أن يتصرف فيه أو يتجرأ أن يستولي عليه لأي عذر مهما بلغ الأمر ضمانا للحاجة. فقد كان من الأولى و الأجدر أن تشرّع قوانين صارمة، مانعة، رادعة، تحمي هذا الإرث التاريخي الثمين الذي يؤمن المهيع للأجيال. يا جماعة الخير الاستباحة لهذه الآثار امتدت حتى للرصيد الإسلامي و منه المسجد العتيق الذي بني في الأربعينات، طالته يد العبث فشوّه منظره و حوّل مظهره المتناسق الأنيق إلى مكعب من اسمنت !!!
بكل حزن و أسف، أن هؤلاء دمروا الشواهد التاريخية و خربوها و هدموها و حوّلوها بل حوّروها لأغراض أخرى عامة و شخصية و بذلك طمسوا الأثر و عتّموا الخبر!!!
ففي مدينتي كانت هناك الكنيسة و المقبرة و الزنزانة و السجن و فيرمة " مزرعة " الكولون و المعتقل…….الشاهدة على الماضي………..و اليوم لا شاهد و لا أثر؟؟؟؟ كأن القضية ممنهجة حتى لا يعي الجيل الحالي ليمرر الرسالة للجيل التالي و منه للجيل اللاحق ما كان في مدينتي و ما جرى بها من أحداث و مآسي و بذلك سيرتمي الجيل حتما في أحضان المستدمر دون وازع و بعدم اكتراث للعواقب، لأنه ببساطة يحسبه أباه الحنون !!
نداء الاستغاثة…….؟؟؟
أنصفوا المستدمر في موتاه
صونوا ميراث الجهاد في حماه
لقّنوا الفتى الثورة بالشواهد لا بالأفواه
سنضمن فعالية المضاد الحيوي في دم الأجيال و بها لن تضمر ذاكرة مدينتي و من خلالها بلدي الجزائر.
سعد لعمش
22صفر 1429هـ
الموافق لـ 29-02-2008
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






























